شهد الحراك بالشارع أحداثا عديدة منذ إنطلاقه حتى اليوم، وكانت بجزء منها أمنيّة وهي الأخطر، فتعرض متظاهرون للضرب، وإعلاميون للضرب والإهانة، والقوى الأمنيّة والعسكريّة للإعتداء أيضا.
مؤسسة "عيون ​سمير قصير​"، أي مركز الدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية "​سكايز​"، تهتمّ بملف "انتهاك الحريّات الإعلاميّة والثقافيّة"، ولأجل ذلك أعدّت المؤسسة عن شهر تشرين الأوّل ​تقرير​اً وثّقت فيه الاعتداءات اليوميّة بحق ال​صحافيين​ والمصوّرين خلال الحراك الذي انطلق في 17 تشرين الأول 2019 في مختلف المناطق اللبنانيّة.
وفي مقدمة التقرير الذي نشرته المؤسّسة على موقعها، أوردت أن في تشرين الأول الفائت سُجّل 22 حالة اعتداء على صحافيين و8 ​حالات​ منع تصوير، و10 حالات مضايقات وشتم، إضافة إلى 3 حالات تهديد، و6 حالات تكسير هواتف وكاميرات، وصولاً إلى إقالة مديرة "الوكالة الوطنية" على خلفيّة تغطية ​التظاهرات​، الى جانب التطرّق للقضايا القضائيّة التي تُعنى بصحافيين. وخلال الحديث عن المرتكبين أشارت المؤسسة الى أنّهم "يتوزعون بين عناصر القوى الأمنيّة ومناصري حركة "أمل" و"​حزب الله​" والمتظاهرين أنفسهم".
اللافت هنا تبنّي المؤسسة للاتّهامات بحق "​حركة أمل​" و"حزب الله"، ما يوحي وكأن الحزبين يتحمّلان مسؤولية الاعتداءات على الصحافيين، وغير ذلك من أحداث، بينما لم يرد في تقرير المؤسسة مثلا أنّ المعتدين بأماكن أخرى، كالجيّة مثلا، هم مناصرو أحزاب أخرى يتلطّون خلف عنوان "المُتظاهرين"، واكتفت بالإشارة اليهم كمتظاهرين، رغم أن خطابهم كان بشكل واضح، أننا "نرفض استقالة ​سعد الحريري​ وبقاء الآخرين في موقعهم، ونحن لم نقم ب​الثورة​ لأجل اسقاط الحريري"، وغيرها من العبارات التي وردت على ألسنتهم، فهل هناك من لا يعلم بأن المعتدين على مراسلة "nbn" هم من مناصري تيار "المستقبل" و"الجماعة الإسلاميّة"، وهل هناك من لا يعلم أن المعتدين في أكثر من مكان على الزملاء في "otv" هم من مناصري "​القوات اللبنانية​"؟ ولماذا لم يتم ذكر الاعتداء على مراسلي "​النشرة​" قرب ​ثكنة الحلو​ في بداية الحراك؟ وغيرها الكثير من الأحداث التي استهدفت عدداً من الصحافيين.
وفي هذا السياق تؤكد الزميلة في المؤسسة وداد جربوع أن المؤسسة تنقل الواقع ولا تتبنى اتّهامات سيّاسية وغير سيّاسية، خصوصاً أنّ الفاعلين في الحوادث التي ذكرت المؤسسة أن مفتعليها هم من المناصرين لحركة أمل وحزب الله، هم من عرّفوا عن أنفسهم بهذه الصفة، بينما لم يحصل في مكان آخر أن اعتدى متظاهرون على إعلاميين، وأعلنوا عن انتمائهم السياسي، بشكل علني.
وتضيف جربوع في حديث لـ"النشرة": "نحن لا نبني التقارير على تحليل، وما يجري نوثّقه من خلال وجود مراسل لنا على الأرض، وعبر النقل المباشر، وبالتواصل المباشر مع الصحافيين المعنيين، ولذلك لا يمكن التشكيك باستقلاليّتنا وحياديتنا.
كذلك ورد في التقرير أن من الانتهاكات الإعلاميّة أيضا إقالة وزير الإعلام ​جمال الجراح​ لمديرة ​الوكالة الوطنية للإعلام​ ​لور سليمان​، ولدى الاستفسار من جربوع عن هذا الأمر، أشارت الى أنّ المؤسسة تواصلت مع السيدة سليمان، وسألتها "هل سبب الإقالة تغطية التظاهرات بالشارع"، فكان جوابها: "أعتقد أن المليون لبناني بالشارع يجب ان يصل صوتهم". وتضيف جربوع: "نحن محايدون ونقوم بتغطية كل الانتهاكات على الجسم الإعلامي، بلا تمييز".

اذا، استنتجت المؤسسة أنّ جواب السيدة سليمان يعني أنّ إقالتها كانت على خلفيّة تغطيتها للتحركات، وهو ما أرادت سليمان قوله بطريقة غير مباشرة، ولكن هذا الأمر لا يمثّل الواقع، وهو يتحيّز الى جانب "الثورة" في لعبة "​السلطة​، والثورة عليها"، إذ لربّما أرادت سليمان، التي أقيلت لأسباب سيّاسية، إظهار نفسها وكأنها ضحيّة دعمها للثورة الشعبيّة، ولكن كيف يُمكن تجاهل الوقائع التي رافقت القضيّة وانتشرت علناً، وتقول بأنّ سليمان تبلّغت قرار إقالتها في 22 تشرين الأوّل، أيّ بعد مرور 5 أيام فقط على اندلاع الحراك، وأنّ قرار الإقالة موقّع من قبل وزير الإعلام بتاريخ 17 تشرين الأول الفائت أي قبل ساعات قليلة جدا على بدء التظاهرات؟، أليس هذا الأمر دليلا واضحا على أن لا علاقة لإقالتها بما جرى في الشارع؟.
كذلك كان لـ"​هيومن رايتس ووتش​" تقريرها الذي يتحدّث عمّا يجري، ومعلومٌ بحسب المنظّمة أنها تُدافع عن حقوق الناس في 90 بلدا حول ​العالم​، وتسلّط ​الضوء​ على الانتهاكات، ولكن هل تسليط الضوء وحماية الحقوق يكون بالاتّهام السياسي لأطراف معيّنين، وهل يكون بتحريض المواطنين على القوى الأمنيّة، وتصويرهم كمعتدين على "السلميين"؟، وهل يكون عبر تجاهل تركيبة لبنان وظروفه السياسية المعقّدة، وحقيقة المشهد في الشارع الذي يضمّ ثوارا ومناصري أحزاب وقُطّاع طرق؟.
لماذا لم يذكر تقرير "هيومن رايتس ووتش" أن "السلميين" في 17 و18 تشرين الأول أوقعوا في ساعات قليلة حوالي 50 جريحًا من القوى الأمنيّة، و12 من عناصر ​الجيش اللبناني​، وهذه أرقام موثّقة من مصادر أمنيّة، ولماذا لم تُذكر الاعتداءات التي قام بها متظاهرون على الممتلكات العامّة والخاصّة، وعلى المواطنين في سياراتهم على الطُرقات؟ ولماذا قال التقرير أن "الجيش اللبناني قرّر فتح الطرق دون أن توضح السلطات سبب اعتقادها أنه من الضروري إزالة العوائق التي تغلقها"، ألم يستمع المعنيّون بالملف اللبناني في المنظّمة لنداءات المواطنين الذين يريدون التنقّل على الطرقات، ألم يستمعوا لحجم التحريض الطائفي والمناطقي الذي رافق ​قطع الطرق​، ألم يستمعوا لكلام قائد الجيش الذي فصّل أسباب قرار فتح الطرق، ألم يشاهدوا سقوط قتلى بسبب قطع الطرق؟ فلماذا تصوير الجيش وفئات معينة من اللبنانيين كمعتدين، وتصوير المتظاهرين في كل المناطق كسلميين، والجميع يُدرك أنّ هذا الأمر غير صحيح، وما المغزى من نقل صورة مشوّهة للخارج، وهل سنصل في لبنان الى مرحلة شبيهة بمرحلة أصحاب "​الخوذ البيضاء​" في ​سوريا​؟.
لا يُمنع على أيّ إنسان أو جهة تأييد ما يريد ومن يريد، ولكن من يرفع شعار "الحيّادية" فليطبّقه، وخصوصا المنظّمات الدوليّة التي تثير "حساسيّة" الكثيرين الذين يرون فيها "قناع جميل لحقيقة بشِعة".