تُعطي الإنطلاقة الحكومية في ​لبنان​ دفعاً داخلياً، تتوقف مستوياته على قدرات ​مجلس الوزراء​ في إبتداع حلول إقتصاديّة، وخصوصاً في وضع لبنان على سكة ​الإقتصاد​ الإنتاجي ودفن الريعي تدريجياً. لا يُمكن الحُكم الآن على شكل ​الحكومة​، لا إنطلاقاً من غياب الدسم السياسي عنها، ولا من حجم معارضيها، أو إستمرار الإحتجاجات الخجولة ضد القوى التي شكّلتها.

يحمل رئيس الحكومة ​حسان دياب​ زخماً كافياً معه للمضي قُدماً، لكنه يجزم الاّ طموحات سياسية لديه. توحي تلك المعادلة بأنّ العمل الحكومي سيتركّز على فرض معالجات إقتصادية واجتماعية، بعيداً عن المناكفات السياسية. بالطبع لا يكفي العنوان التكنوقراطي لتأمين متطلبات الشعب، لأن الحاجة هي لمعالجة أزمات: هل تستطيع الحكومة تأسيس خلايا لإدارة الأزمات؟.
سيأتي معارضو هذه الحكومة بعد شهرين-هي المهلة الزمنية التي تحدث عنها الفرنسيون كفترة لإثبات الحكومة لذاتها-للسؤال: ماذا فعلت؟ هم يعلمون أنها لا تستطيع ان تغيّر الواقع بشكل جذري، من أزمة الى إستقرار. لا نية لدى الدول التي كانت تزوّد لبنان ب​المال​ السياسي لدفع أي ​دولار​ حالياً. عواصم ​الخليج​ مشغولة الآن بما يجري إقليمياً، خصوصاً إزاء الصراع التركي مع السعوديين والإماراتيين والمصريين وإمتداداته من ​ليبيا​ الى ​سوريا​، ولذلك هي غير معنية ب​تفاصيل​ لبنانية ليست في أولويات لا ​الرياض​ ولا ​أبو ظبي​. رغم وجود من يوحي بإستعداد قطري لدعم لبنان بمبالغ قد تصل الى حد ملياري دولار أميركي. لكنها ليست كافية. عدا عن أن الاميركيين منعوا مدّ أي يد للبنانيين قبل بت مسار "​صفقة القرن​" المطروح للحسم خلال الأيام المقبلة. لا يستطيع لبنان ان يقبل بما تمليه عليه متطلبات الصفقة، لأن لا قدرة له على إستيعاب ​التوطين​ للاجئين ​الفلسطينيين​، وهو شرط اساسي لنسف حقّ العودة.
تتوالى الفرضيات حول حجم المساعدات المالية المرتقبة من ​البنك الدولي​ للبنان: هل تكون مقابل التزامات صعبة التحقيق في زمن التقشف الدولي؟ يخشى ​المجتمع الدولي​ من تدحرج لبنان نحو إعلانه دولة فاشلة، لكن من دون ان يعني ذلك سوى بدفع ما يسد حجم الفوائد على الديون وتأمين حاجيات ​الدولة​ الأساسية.
من ناحية ثانية، فلنفترض أن الأوروبيين أرادوا ترجمة وعود مؤتمر "سيدر"، فكيف ستكون طرق تزويد لبنان بالأموال؟ يطلب الأوروبيون إلتزاماً لبنانياً بتنفيذ إصلاحات كبيرة، قد لا تستطيع الحكومة الحالية تنفيذها خلال شهرين، لأنها ستعني ورشة عمل ادارية طويلة، الا اذا كان المطلوب فقط زيادة واردات الخزينة عبر مزيد من ​الضرائب​ التي ستزيد من نقمة المواطنين على مؤسسات الدولة، وسيصب المعارضون غضبهم مجددا على الحكومة.
كل ذلك يعني ان مجلس الوزراء مهدّد بالإنكسار أمام واقع لبناني صعب لا يستطيع ان يتحمل نتائجه وحده. مما يفرض عليه المضي في طريقين: اصلاحي داخلي سريع، بالتوازي مع تنفيذ خطط إقتصادية للبدء في سلوك إنتاج الدولة، وخارجي بالانفتاح على الشرق.
لكن النجاح غير مضمون بشكل سريع، لأن قوى سياسية تنوي توظيف قلق ووجع الناس في التصويب على هكذا تجربة حكومية. فهل تكون حكومة مرور؟ قد تفاجئ اللبنانيين بنشاطها وتفرض نفسها حتى موعد ​الانتخابات النيابية​. كل شيء وارد...