يوم أبرم "​التيار الوطني الحر​" و"​القوات اللبنانية​" تفاهمهما الشهير، وأطلقا عليه اسم "تفاهم ​معراب​"، تفاوتت الآراء بشأنه، بين من اعتبره اتفاقاً سياسيّاً يرتبط مباشرةً بالمصلحة الآنيّة لـ"الثنائيّ المسيحيّ"، إن جاز التعبير، ومن ذهب بالتحليل إلى ما هو "أعمق" من ذلك، لوضعه بمصاف "المصالحة التاريخية" التي طال انتظارها.

سريعاً، جاءت "ترجمة" التفاهم بين الحزبين، اللذين لطالما ربطتهما الخصومة، في الحرب والسلم على حدّ سواء، فتبنّت "القوات" ترشيح مؤسّس "التيار" العماد ​ميشال عون​ ل​رئاسة الجمهورية​، وثمّة من يقول إنّها "صاحبة الفضل" في وصوله إلى ​بعبدا​، بعدما أوحت، أو ربما ظنّت، بأنّها ستكون "عرّابة العهد"، بشكلٍ أو بآخر.
لكن، سريعاً أيضاً، سقط هذا التفاهم في "أفخاخ" ​السلطة​ و​المحاصصة​ وما بينهما، فعاد الطرفان إلى "عادتهما" في تقاذف الكرة وتبادل الاتهامات، قبل أن "يدفنا" التفاهم بلا "أسفٍ" عليه، بعد "فضح" بعض مضمونه المثير للجدل، إلا أنّهما، رغم التباعد السياسيّ، أصرّا على أنّ مفعول "المصالحة التاريخية" سيدوم ويدوم ويدوم...

مقولة زائفة!


من يطّلع على التصريحات والمواقف خلال الأيام القليلة الماضية، يتأكّد أنّ مقولة "المصالحة التاريخية"، ومفعولها العابر للتفاهمات السياسيّة الآنيّة، زائفة، ولا تعكس الحقيقة، بل الأرجح أنّها لا تمتّ إليها بصلة، لا من قريب ولا من بعيد.
يكفي، للدلالة على ذلك، الاستماع إلى نائبٍ ينتمي إلى "القوات اللبنانية" هو عضو كتلة "​الجمهورية القوية​" النائب ​بيار بو عاصي​، يصف الحليف الذي أوصله حزبه إلى رئاسة الجمهورية، كما كان يتباهى "القواتيون"، بـ"غول الموت"، من دون اعتبارٍ حتّى لمقام الرئاسة، الذي لطالما اعتبرته "القوات" نفسها "فوق النقد".
لم يكن "نقد" النائب بو عاصي في هذا السياق، مجرّد نقدٍ سياسيّ لأداء "العهد" الحاليّ، ولكنّه قفز فوق "تفاهم معراب" الشهير، ليسترجع ببساطة "أدبيّات" الحرب، بقوله إنّ من وصفه بـ"الغول"، "ينتشي بعذاب الآخرين منذ تمكّن من طرف سلطة في الثمانينات"، قبل أن يتّهمه بـ"تدمير الوطن والمواطن والمؤسسات طمعاً بالرئاسة"، منذ ذلك الوقت.
وإذا كان بو عاصي "تجاهل" في هجومه العنيف وغير المسبوق على عون، دور حزبه في ​تحقيق​ ما وصفه بـ"طمع" الأخير بالرئاسة، فإنّ أنصار الأخير بادلوا هجوم النائب "القواتيّ" بما هو "نَظيرٌ" له، فتركّزت الردود "العونيّة" على "المآثر الحربيّة" لرئيس حزب "القوات"، كما وصفوها، بعيداً عن الواقع السياسيّ الحاليّ.
ولعلّ "المفارقة" في السجال القواتي-العونيّ المستجدّ، والذي أعاد عقارب ​الساعة​ إلى الوراء، ليس إلى ما قبل "تفاهم معراب" فحسب، بل إلى مرحلة "الحرب" بكلّ دلالاتها وأبعادها، تكمن في أنّه لم يكن "افتراضياً" بين الجماهير التي لم تتقبّل ربما "التفاهم" من الأساس، بل بين "النُّخَب" من القيادات إلى البرلمان مروراً بالإعلام، ولذلك مغازيه الكثيرة أيضاً.

"الحق عالطليان"؟!


عندما يُسأَل "التيار" و"القوات" عن سبب انحدار مستوى الهجوم بينهما إلى هذا الحدّ، بعدما "احتفلا" مراراً وتكراراً بأنّهما "طويا" صفحة "الحرب" الدمويّة بينهما، كما كانا يزعمان بالحدّ الأدنى، تعود أوساطهما لـ"لعبتهما المفضّلة" أيضاً بتقاذف كرة المسؤولية، ووضعها في ملعب الآخر، على أساس أنّه من "افتعل" المشكلة المستجدّة، ما يوحي ربما وكأنّ "الحق عالطليان" وفق المثل الرائج.
يقول "القواتيون" مثلاً إنّ هجوم النائب بو عاصي لم يأتِ عن عبث، ولا من العَدَم، ويرفضون تحميله مسؤولية "التفريط" بالتفاهم "التاريخي" المُبرَم بين الجانبيْن، لأنّ "العونيّين" برأيهم هم من دفنوا هذا التفاهم، يوم تعمّدوا تجاهله واعتباره كأنّه لم يكُن، بعدما حصلوا على "مبتغاهم" منه. وأكثر من ذلك، يشيرون إلى أنّ كلام بو عاصي جاء ليعكس "الغضب الشعبي" على "عهدٍ" كانت الآمال المبنيّة عليه كبيرة، فإذا به لا يكتفي بـ"تبديدها"، بل يتحوّل إلى عهد "الخراب والدمار"، بشكلٍ ليس له مثيل في أيّ عهدٍ سابق.
أما "العونيّون" فلهم روايةٌ أخرى، وإن كانوا يؤكّدون أنّهم لطالما حرصوا على الجانب "التاريخيّ" من الاتفاق، ولم يفتحوا صفحة "الحرب" من جديد إلا بعد الكلام "غير المسؤول" الذي صدر الأسبوع الماضي. وتنطلق روايتهم من أنّ "القواتيين" يقفون خلف "المؤامرة" على "العهد"، والتي لم تعد خافية على أحد، حتى على من يتنكّر لفرضية "المؤامرة" ويعتبرها "ضحكاً على الذقون"، وما سيناريو "الاستقالة الجماعية" التي دفعت "القوات" صراحةً باتجاهها، لولا تدخّل الرئيس الفرنسيّ ​إيمانويل ماكرون​ لـ"فرملتها"، سوى الدليل على ذلك.
ولعلّ "الأخطر"، وفق المنطق "العونيّ" هذا، أنّ "القوات" لم تعد "تمانع" لعب دور "رأس الأفعى" في "التحريض" على ​رئيس الجمهورية​، وصولاً حتى إسقاطه، ولو بالقوّة إذا اقتضى الأمر ذلك، في وقتٍ "يتحفّظ" حلفاؤهم على مثل هذه "الاندفاعة"، وهو ما عبّر عنه صراحةً رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" ​وليد جنبلاط​ مثلاً، يوم قال رداً على سؤال إنّه، وبناءً على التجربة، يرفض السير بمطلب "إقالة الرئيس"، إذا لم يحظَ بـ"مباركة" المرجعيّة المارونيّة أولاً، وهو ما لم "يتوافر" مع الرئيس السابق ​إميل لحود​، ولن يتوافر بطبيعة الحال مع "الرئيس القوي" ميشال عون، وفق قولهم.

"دجل ​السياسة​"!


بعيداً عن الاتهامات والاتهامات المُضادة، قد تكون "زبدة" ​النقاش​ برمّته أكثر من واضحة، وهي أبعد من أن يكون "مفعول" المصالحة "التاريخية" بين خصمي الحرب والسلم، "التيار" و"القوات"، قد انتهى عملياً.
ثمّة من يقول إنّ "المصالحة التاريخية" لم تحصل أصلاً لينتهي "مفعولها"، وأنّ "مفعولها"، إن وُجِد، لم يُرصَد إلا من باب "التوظيف السياسيّ" المرتبط بالمرحلة الآنيّة، و"على الورق" ليس إلا، مهما جاهر المعنيّون بخلاف ذلك.
لم يتذكّر "العونيّون" و"القواتيون" فجأة مرحلة "الحرب"، فهم لم ينسوها أصلاً، وما الإيحاء بخلاف ذلك سوى دليل آخر على "دجل السياسة" في لبنان، "دجل" يشمل كلّ شيء، من تحالفات وعلاقات "هشّة"، لا مكان لها في "النفوس"!.