لم يكن تعثّر اللقاء الثلاثي بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام تفصيلًا عابرًا في جدول المواعيد السياسية، إذ بدا مؤشرًا إلى عمق الفجوة بين الأطراف الرسمية في لحظة تتطلب أعلى درجات التنسيق الوطني. فاجتماع بهذا المستوى، وفي هذا التوقيت، لا يُقاس بقدرته على تأريخ صورة تذكارية، بقدر ما يُقاس بما كان يُفترض أن ينتجه من موقف لبناني موحّد حيال واحد من أكثر الملفات حساسية منذ اتساع المواجهة مع إسرائيل: ملف التفاوض، وحدوده، وشروطه، والجهة التي تمتلك حق تحديد سقفه.
من هنا، بدا التأجيل أشبه برسالة سياسية غير معلنة، فاللقاء لم يتعثّر لأن قنوات التواصل مقطوعة بين بعبدا وعين التينة والسرايا، إذ إن الاتصالات مستمرة، وفق أكثر من معطى سياسي. لكنه تعثّر لأن التوافق على الصورة أسهل بكثير من التوافق على النص، ولا سيما أنّ ما يحتاجه لبنان اليوم ليس اجتماعًا بروتوكوليًا يخفف التشنج لساعات، إنما صياغة موقف رسمي قادر على الصمود أمام الضغط الأميركي، والتصعيد الإسرائيلي، والحسابات الداخلية المرتبطة بسلاح "حزب الله"، ودور الجيش، وحدود سلطة الدولة في قرار الحرب والسلم.
أزمة موقف
في الظاهر، يمكن ردّ تأجيل اللقاء إلى استمرار التصعيد الإسرائيلي، وما يرافقه من خروقات وضربات ومناخ ميداني لا يسمح بتسويق أي نقاش تفاوضي داخليًا. لكن المعنى السياسي أعمق من ذلك. فالتصعيد لا يمنع الاجتماعات عادة، بل قد يدفع إليها عندما تكون المواقف ناضجة. أما أن يصبح التصعيد سببًا للتأجيل، فهذا يعني أن السلطة لا تملك بعد صيغة مشتركة للتعامل مع هذا الواقع.
المشكلة إذًا ليست في السؤال عما إذا كان اللقاء سيحصل، ولكن عمّا يمكن أن يحصل بعد الاجتماع. فهل يخرج لبنان بموقف يؤكد التفاوض غير المباشر فقط؟ هل يشترط وقف الاعتداءات والانسحاب قبل أي مسار؟ هل يترك الباب مفتوحًا أمام صيغة تفاوضية أوسع تحت عنوان الضرورة؟ وهل يستطيع أن يوازن بين حاجته إلى الغطاء الدولي ورفضه منح إسرائيل مكاسب سياسية تحت النار؟
هذه الأسئلة هي التي عطّلت المعنى السياسي للاجتماع قبل أن تعطل موعده. فلبنان، في لحظة مماثلة، لا يستطيع أن يبدو رافضًا لأي مسار دبلوماسي، لأنه يحتاج إلى احتواء التصعيد وتثبيت حقوقه وإعادة تحريك الضمانات الدولية. لكنه لا يستطيع أيضًا أن يدخل التفاوض كأن شيئًا لا يحدث على الأرض، لأن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يجعل أي مرونة لبنانية قابلة للتأويل على أنها تنازل تحت الضغط.
التفاوض تحت النار
هنا تكمن العقدة الأساسية. فالتفاوض غير المباشر ليس جديدًا في التجربة اللبنانية، وقد استُخدم سابقًا في ملفات حدودية وأمنية حساسة. لكن تحويل هذا المبدأ إلى مسار مفتوح في ظل الحرب أو ما يشبهها يطرح إشكالية مختلفة. فالمسألة لا تتعلق بآلية تقنية أو بوسيط دولي ينقل الأوراق بين الجانبين، إنما تتصل بالسياق الذي يسبق التفاوض وبالشروط التي تحكمه.
في هذا السياق، كان لافتًا أن يضع رئيس مجلس النواب نبيه بري السقف عند وقف الاعتداءات والانسحاب والتمسك بالثوابت، ويرفض أي انتقال إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل. ومن خلال هذا الموقف، أراد بري أن يعكس حسابات متداخلة: موقعه في إدارة التوازن الداخلي، علاقته بحزب الله، خبرته السابقة في ملفات التفاوض، وحساسيته من أي صيغة قد تُقرأ داخليًا كفتح باب سياسي يتجاوز الملف الحدودي والأمني.
في المقلب الآخر، تتحرك رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ضمن هامش بالغ الضيق. فهما معنيتان بإظهار لبنان كدولة قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي، وعدم ترك الساحة للضغط الإسرائيلي وحده. وفي الوقت نفسه، لا تستطيعان الذهاب بعيدًا في أي مقاربة تفاوضية لا تحظى بغطاء داخلي كافٍ، لأن أي خطوة من هذا النوع ستتحول سريعًا إلى مادة اشتباك داخلي، خصوصًا إذا رُبطت بمستقبل سلاح حزب الله أو بدور الجيش في الجنوب.
إسرائيل تصنع الوقائع وتنتظر السياسة
في المقابل، لا تتعامل إسرائيل مع المرحلة كفرصة سياسية فقط، إنما كساحة لصناعة وقائع ميدانية تسبق أي طاولة مفاوضات. فهي تدرك أن الانقسام اللبناني يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة، وأن غياب موقف رسمي موحد يساعدها على تقديم ضرباتها بوصفها إجراءات دفاعية، بينما يراها لبنان اعتداءات تمس السيادة وتفرغ أي تهدئة من معناها.
بهذا السلوك، تسعى إسرائيل إلى فرض معادلة مزدوجة تبقي لبنان تحت الضغط العسكري لدفعه نحو مسار تفاوضي منقوص الشروط، ما يعني أن أي تأخير في بلورة موقف لبناني واضح لن يبقى شأنًا داخليًا، إذ يتحول إلى عنصر إضافي في ميزان القوة. فالدولة التي لا تحدد سقفها بوضوح، التي لا تقول ماذا تريد بدقة، تجد نفسها أمام خرائط طريق صيغت خارج مؤسساتها.
لذلك، لا يمكن فصل تعثر لقاء الرؤساء عن استراتيجية الضغط الميداني، إذ إن كل ضربة إسرائيلية، وكل تهديد، وكل خرق، لا يضغط على حزب الله وحده، إنما يضغط على الدولة اللبنانية أيضًا. وهنا يبدو البعد السياسي حاضرًا بقوة خلف البعد العسكري، وربما أمامه: دفع لبنان إلى قبول ترتيبات جديدة، وإعادة تعريف دور الجيش، وإدخال ملف السلاح في قلب أي نقاش دولي حول الاستقرار.
دور الجيش اللبناني
في قلب هذه المعادلة يقف الجيش اللبناني. فالمجتمع الدولي يريد دورًا أوسع للمؤسسة العسكرية في الجنوب، والدولة تحتاج إلى تكريس حضورها السيادي، واللبنانيون يريدون حماية الحدود ومنع انهيار أمني جديد. غير أن توسيع دور الجيش لا يمكن أن ينجح إذا قُدّم كجزء من مواجهة داخلية، أو كأداة لتنفيذ أجندة مفروضة تحت النار.
يستطيع الجيش أن يكون ركيزة الحل إذا جاء دوره ضمن توافق وطني، وضمن خطة واضحة تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب، وتنتقل إلى تعزيز سلطة الدولة وانتشارها. أما إذا طُلب منه الدخول في صدام سياسي أو أمني داخلي قبل تهيئة الشروط الوطنية، فقد يتحول من عامل استقرار إلى ساحة ضغط جديدة، وهذا ما يخشاه كثيرون في الداخل اللبناني.
من هنا، تحتاج السلطة إلى مقاربة دقيقة: دعم الجيش من دون تحميله ما لا يحتمل، وتثبيت دور الدولة من دون دفع البلاد إلى انقسام أهلي، ومخاطبة الخارج بلغة واضحة من دون إعطائه انطباعًا بأن لبنان مستعد لترجمة كل الشروط فورًا، مهما كانت الكلفة الداخلية.
أي آفاق بعد تعثر اللقاء؟
في النهاية، يجد لبنان نفسه أمام لحظة مفصلية لا تحتمل الهروب من الأسئلة الصعبة أو الاكتفاء بالبيانات الإنشائية عن السيادة والحقوق، فالمطلوب اليوم هو إنتاج "ورقة سياسية" واضحة تتضمن عناصر محددة تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب، وتحصر التفاوض بالإطار غير المباشر، وتؤكد على دور الجيش ضمن توافق داخلي صلب.
إن مثل هذه الورقة لا تلغي الخلافات اللبنانية، لكنها تمنع الخارج من إدارتها، وتمنح الدولة قدرة أكبر على المناورة لتقول للوسطاء إن لبنان لا يرفض الحلول، لكنه يرفض أن تُفرض عليه نتائج سياسية قبل معالجة أصل المشكلة. وتقول لإسرائيل إن الضغط العسكري لن ينتج موقفًا لبنانيًا هشًا. وتقول للداخل إن الدولة لا تبحث عن تسوية على حساب التوازن الوطني، ولا عن مواجهة مفتوحة على حساب الاستقرار.
بهذا المعنى، ليس تعثّر لقاء الرؤساء نهاية المسار، لكنه إنذار واضح. فلبنان يقف أمام لحظة تحتاج إلى قرار سياسي لا إلى إدارة وقت. ليست القضية أن يجتمع جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام فقط. القضية أن يستطيع لبنان، عبر رئاساته ومؤسساته، أن يقول للعالم شيئًا واحدًا بلغة واحدة: يريد وقف الاعتداءات، ويريد استعادة أرضه وسيادته، ويريد تفادي حرب أوسع، ويريد تفاوضًا يحمي حقوقه لا تفاوضًا يشرّع الضغط عليه.
ومن دون هذا الصوت الواحد، سيبقى لبنان عالقًا بين نار إسرائيل وضغط الخارج وانقسام الداخل. أما إذا نجح في تحويل تعثر اللقاء إلى فرصة لإنتاج موقف واضح، فقد يصبح التأجيل محطة عابرة في طريق ترميم القرار الوطني، لا علامة إضافية على أن الدولة ما زالت عاجزة عن التفاوض باسم نفسها.






















































