ظهرت مسيرة التدبير الإلهيِّ بشكل مباشر في العهد الجديد بدءًا ببشارة والدة الإله العذراء مريم بالحبل الإلهيِّ، والَّذي فيه تمَّ التجسُّد الإلهيُّ في أحشاء مريم، وذلك باتِّحاد الطبيعة الإلهيَّة بالطبيعة البشريَّة بشخص المسيح الواحد، والواحد في الجوهر مع الآب والروح القدس. فكان نزول الربِّ إلينا ليقيمنا ويرفعنا معه وإليه. حركة نزول تقابلها حركة صعود، وهي حركة تمَّمها الربُّ بنفسه حاملًا طبيعتنا البشريَّة إلى الملكوت السماويِّ، تلك الطبيعة الَّتي تمجَّدت باتِّحاده فينا. تكمل المسيرة بإرسال يسوع الروح القدس إلينا، ذلك الروح الَّذي من عند الآب ينبثق، ونتابعها بالروح القدس لنتَّحد بالربِّ على الرجاء اتِّحادًا أبديًّا «ونحن جميعًا ناظرين مجد الربِّ بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الربِّ الروح» (2 كو 3: 18). فنحن من الربِّ وإلى الربِّ نعود.
يذكر العهد الجديد أنَّ الصعود حصل بعد أربعين يومًا من الفصح ، ولكنْ كان يُحتفل به في الكنيسة في في القرون الأربعة الأولى مع عيد العنصرة كما نعرف من مذكّرات الرحَّالة الإسبانيَّة إيجيريا الَّتي زارت أورشليم حوالي سنة 381م، أي في اليوم الخمسين من قيامة الربِّ يسوع المسيح من بين الاموات. وذكرت أنَّه في مساء عيد العنصرة، يجتمع المؤمنون على جبل الزيتون، ويذهبون «إلى المكان الَّذي صعد منه الربُّ إلى السماء»، ويقيمون خدمة مع قراءات من الإنجيل وأعمال الرسل، الَّتي تروي العيد. وذلك أنَّ الفترة الخمسينيَّة كانت تعتبر كفترة واحدة. والأرجح أنَّ العيد أخذ استقلاليَّته ليتورجيًّا في القرن الميلاديِّ السادس.
كثيرون من الآباء القدِّيسين تكلَّموا عن أهمِّيَّة العيد وصلواته ومعرفة المؤمنين به حتَّى لو كان يُعيَّد مع العنصرة، وخير مثال على ذلك القدِّيس يوحنَّا الذهبيُّ الفم (+407م).
للصعود مكانة مهمَّة جدًّا من ناحية الفنِّ الكنسيِّ والإيقونغرافيِّ منذ البداية، وهذا ما سنتناوله في مقالتنا. ولا بدَّ لنا، قبل أن نبدأ، من ذكر نقطة مهمَّة وهي: إذا كان في التجلِّي شهد ثلاثة من تلاميذ الربِّ – وهم بطرس ويعقوب ويوحنَّا – على مجد يسوع وطبيعته الإلهيَّة، ففي الصعود شهد التلاميذ الإثنا عشر كلُّهم، وآخرون أيضًا شهدوا لصعود المسيح. كما يذكر التسليم الشرقيُّ وجود والدة الإله، لهذا نراها في أيقونات الصعود الإلهيِّ.
نشاهد في لوحة عاجيَّة من بداية القرن الميلاديِّ الخامس (400م) الربَّ يسوع المسيح حاملًا بيده اليسرى لفافة إشارة إلى رسالته الخلاصيَّة التي تمَّمها، وحول رأسه هالة القداسة، وهو يصعد على جبل الزيتون تشدُّه من السماء يد من معصمه وترمز إلى الآب. ويوجد تلميذان، أحدهما ينظر إلى فوق في حالة دهشة والثاني في سجود. عدد التلاميذ هنا ليس كاملًا كما سنشاهد لاحقًا عندما تأخذ أيقونة الصعود شكلها الكامل في حوالي القرن الميلاديِّ السادس – السابع، لأنَّ الفنَّ المبكر كان رمزيًّا أكثر. نشاهد أيضًا في اللوحة والدة الإله وامرأتين من حاملات الطيب أتين إلى القبر يستقبلهما ملاك.
القبر يتَّكئ عليه حارس، وآخر واقف في الجهة المقابلة، ورمحُه ظاهر. يذكر الإنجيليُّ متَّى حدوث زلزلة عظيمة، وأنَّ ملاك الربِّ نزل من السماء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه، وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض، وارتعد منه الحرَّاس و«صاروا كالأموات» (متَّى 28: 2-4). شكل القبر ملوكيٌّ يشبه الَّذي بناه القدِّيس قسطنطين في كنيسة القيامة في أورشليم وهو أيضًا يشبه قبر الأباطرة والملوك وأيضًا يأخذ شكل كنيسة. وجود الشجرة والطيور عليها إشارة إلى الحياة والفردوس والانتصار على الموت.
في الخلاصة، تجمع اللوحة القيامة والصعود لتقول: أتى الربُّ ليقيمنا ويعيدنا إلى موطننا الأوَّل، ألا وهو السماء، في حياة أبديَّة معه لا تنتهي.
إلى الربِّ نطلب.























































