نعيش في الفترة الأخيرة مرحلة حرجة لم نشهد لها مثيلًا إلا نادرًا، وقد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني والاقتصادي الغربي. وقد يتم خلالها استغلال صدمات خارجية واضطرابات داخلية لتسريع تحولات كانت ستواجه مقاومة شعبية وسياسية كبيرة في الظروف العادية.
من المنصف القول إن هذه الفرضية أقرب إلى قراءة متشائمة أو سيناريو غير واقعي، لكنها تستحق على الأقل النقاش في ضوء ما تشهده الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، بالتوازي مع تصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط والتوترات الدولية.
لا يواجه العالم اليوم أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متداخلة: انقسامات سياسية واجتماعية داخل الدول الغربية، تراجع الثقة بالمؤسسات، احتجاجات شعبية متزايدة، صراعات إقليمية، تنافس دولي محوره الأمن والطاقة والذكاء الاصطناعي. فهل نحن أمام أزمات منفصلة، أم أمام مرحلة انتقالية يجري خلالها تغيير قواعد إدارة المجتمعات والدول؟
يفترض البعض أن مراكز القرار توصلت إلى قناعة بأن الأدوات السياسية والاقتصادية التقليدية لم تعد كافية لضبط التحديات المتراكمة. فالمطالب الاجتماعية تتزايد، والاحتجاجات تتسع، والانقسامات الداخلية تتعمق، فيما تتراجع قدرة الحكومات على تمرير سياسات اقتصادية وأمنية لا تحظى بقبول شعبي واسع. في مثل هذه الظروف، يصبح العامل الخارجي عنصرًا بالغ التأثير في إعادة ترتيب الأولويات الداخلية.
فالحرب، أو التلويح والتهديد بها، أو بث الذعر من خلال الإعلان الرسمي عن احتمالات الطوارئ، يمكن أن ينقل المجتمعات من مناخ المطالبة بالحقوق والإصلاحات، إلى مناخ الخوف والقلق والانشغال بالأمن والاستقرار. عندها، تصبح الإجراءات الاستثنائية أكثر قابلية للتسويق، وتكتسب الحكومات هامشًا أوسع للتحرك، وراحة أكبر في التصرف.
على غرار ما شهدته أميركا، حيث لا تزال مشاهد نشر القوات العسكرية (المارينز) في سياق الاضطرابات الداخلية حاضرة في الأذهان، وسط تساؤلات عن حدود العلاقة بين الأمن وحرية الاحتجاج. وفي أوروبا، يزداد النقاش حول الاستعداد للحرب، والإنفاق العسكري، والهجرة، والأمن الداخلي، في وقت تواجه فيه حكومات عدة ضغوطًا شعبية وسياسية متصاعدة.
أمام هذه الفرضية، تصبح قراءة الدعوات الأوروبية والأميركية إلى تخزين الغذاء والمياه والاستعداد لانقطاع الخدمات بمثابة مؤشر إلى استعداد سياسي وأمني لمرحلة قد تختلف قواعدها عن المرحلة السابقة. أما على المستوى الدولي، فلا يمكن استبعاد أن تشكل مواجهة عسكرية محدودة مع إيران، أو تصعيد روسي محدود في أوكرانيا، أو اضطرابات أمنية وسياسية في بعض الدول الأوروبية، حلقات متزامنة في مشهد دولي بالغ التعقيد.
والفرضية الأكثر إثارة للقلق هي أن تتضافر هذه المسارات لتسريع انتقال تدريجي من نموذج سياسي يعطي مساحة واسعة للحريات والاحتجاجات والمطالب الاجتماعية، إلى نموذج تصبح فيه الأولوية للأمن والانضباط والاستقرار، حتى لو استدعى ذلك تقليص بعض المساحات المدنية والسياسية.
فهل تستعد الحكومات لمواجهة عالم أكثر اضطرابًا، أم أن الاضطراب نفسه سيكون بوابة إعادة تشكيل أنظمة الحكم والعلاقات بين الدولة والمجتمع؟ ربما لا تكمن خطورة المرحلة المقبلة في اندلاع حرب كبرى بحد ذاتها، بل في التحولات التي قد تترتب عليها، وفي القرارات التي يمكن تمريرها تحت ضغط الخوف والطوارئ، والتي قد يصعب التراجع عنها عندما تعود الظروف إلى طبيعتها.
فالأزمات قد تنتهي، لكن الأنظمة السياسية والأمنية التي تولد في ظلها قد تبقى طويلًا بعدها.






















































