قد لا يقع اللوم على ​الحكومة​ إذا ما قرّرت "ابتكار" المزيد من ​الضرائب​، الأقرب منها إلى "البِدَع"، بعدما اعتقدت أنّ أحداً لن يحتجّ أو يعترض، في ظلّ النظام الطائفي ال​لبنان​ي، القائم على مبدأ "الزعامات"، وإن كان الكثير من فرقائها لا يكفّون عن الترويج لـ"مؤامرة" تستهدفهم على أكثر من صعيد، ولو اختلفوا حول جوهرها كما أهدافها.
هكذا، لم يكن أحد في الحكومة يظنّ أنّ ضريبة على "الواتسأب" لن تتخطّى الستّ دولارات شهرياً، ستشعل الشارع، الذي لم يهتزّ خلال الأسابيع القليلة الماضية على أزماتٍ أكثر سخونة، وعلى إذلالٍ حقيقيّ عاشه المواطنون على وقع إضراباتٍ متنقّلة شملت أكثر من قطاع حيويّ وجوهريّ، ونجمت عن أزمة دولار أصرّ المسؤولون على نكران وجودها.
إلا أنّ رياح الشارع لم تأتِ كما تشتهي سفن الحكومة، ليصبح مصيرها على كفّ عفريت أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بمُعزَلٍ عن فرضيّة "الأيدي الخفيّة" التي وجدت صداها على جري العادة. فما الذي حصل فعلياً؟ وما سرّ "الانتفاضة" المتأخّرة للمواطنين؟ وهل يكون ما حصل جولة جديدة ستنتهي سريعاً، أم يُكتَب لها الاستمرار؟!.

ثورة أم مؤامرة؟!
سريعاً، حصل "الفرز" مع بدء ​الاحتجاجات​ الشعبية من دون سابق إنذار، ليل الخميس، وتمدّدها بشكلٍ غير مسبوق على مختلف المناطق اللبنانية، بل وصولها إلى مناطق لطالما اعتُبِرت "عصيّة" على مثل هذا النوع من التحرّكات، ومع بروز نوعيّة من الشعارات ترقّت من التراجع عن الضرائب، إلى إسقاط الحكومة، بل النظام برمّته، وصولاً إلى الذهاب إلى ​انتخابات​ نيابية مبكرة.
وتبعاً لانتماءاتهم السياسية، وربما الطائفية والمذهبية، انقسم ​اللبنانيون​ في قراءة الاحتجاجات، ليجد فيها قسمٌ عابرٌ للطوائف والمذاهب، "ثورة" بكلّ ما للكلمة من معنى، "ثورة" طال انتظارها على حكومة أثبتت فشلها وعجزها في تحقيق الحدّ الأدنى من المطالب البديهيّة للمواطنين، بل إنّها تتمادى أكثر فأكثر يوماً بعد يوم، عبر محاولة رمي الكرة في ملعب الفقراء ومتوسّطي الدخل، من خلال فرض المزيد من الضرائب عليهم، وكأنّهم من يتحمّلون مسؤولية الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
ولا يرى هؤلاء في خروج بعض التحرّكات عن السيطرة، أمراً شاذاً، أو دليلاً على تخبّطٍ ما، أو حتى أمر عمليّاتٍ، لأنّ المطلوب هو شلّ البلد لإحداث التغيير المطلوب، وإرغام المسؤولين على التصرّف، بدل اعتماد ​سياسة​ التجاهل كعادتهم، وحتى لا يكون التحرّك شبيهاً بالتحرّكات السابقة، التي تعرّضت للكثير من الانتقادات، بعد تحوّلها إلى ما يشبه "النزهة" في عطلة نهاية الأسبوع، وهو انتقادٌ وجّهه للمفارقة المعترضون على ​قطع الطرقات​ في ذروة الأسبوع نفسهم.
لكن، في مقابل هذا الرأي، رأيٌ مضادٌ يتبنّاه خصوصاً أنصار الأحزاب المشكّلة للأكثرية الحكومية، ممّن لم يتردّدوا في الغمز من قناة "مؤامرة" على البلد واقتصاده بدأت خيوطها تتكشّف منذ فترة، تارةً عبر افتعال الأزمات، وطوراً عبر الترويج للإشاعات، ولو حاول بعض هؤلاء الدخول على خط الحراك بشكلٍ أو بآخر. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإنّ مشاهد الفوضى والشغب فضلاً عن قطع الطرقات وحرق الإطارات تعزّز وجهة نظرهم، باعتبار أنّها لم تعكس صورة حضارية وراقية، فضلاً عن أنّ الضرر الأكبر وقع على المواطنين أنفسهم الذين قبعوا "أسرى" في سياراتهم.

"خطايا" بالجملة
بالنسبة إلى معارضي الاحتجاجات الشعبيّة، من أنصار المكوّنات الحكوميّة الأساسيّة، فإنّ ما حصل لا يعدو كونه فصلاً جديداً من فصول "المؤامرة" التي تستهدف "العهد". ولكن، بمُعزَلٍ عمّا إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، أم أنّها تقتدي بالذريعة التي تعتمدها الأنظمة العربية في مقاربة أيّ تحرّكاتٍ مناهضة، ثمّة من يسأل عمّا فعلته الحكومة لتمنع مثل هذا الحراك، خصوصاً أنّ أحداً في لبنان لا يستطيع أن ينكر أنّ مقوّمات "الثورة" متوافرة منذ فترة طويلة.
من هنا، يمكن القول إنّ أيّ تبريرٍ قد يوضَع للتصويب على الاحتجاجات، والترويج لمؤامرات وخططٍ خفية، لا يعفي الحكومة من مسؤوليّةٍ أساسية، عبر "خطايا" بالجملة ارتكبتها في الآونة الأخيرة، من خلال مقاربتها للأزمات الاقتصاديّة والمعيشيّة المتفاقمة. فعلى الرغم من أنّ الحكومة مهّدت لما يسمّيه رئيسها ​سعد الحريري​ بالإجراءات غير الشعبيّة، منذ ما قبل ولادتها، إلا أنّها فشلت في التصدّي لهذه المهمّة، تارةً عبر سياسة النكران والهروب إلى الأمام، كما حصل أخيراً بتعاملها مع أزمات ​الدولار​ و​المحروقات​ والأفران وغيرها، وطوراً عبر استسهال فرض الضرائب على الفقراء ومتوسطي الدخل، خلافاً لكلّ تعهّداتها، توازياً مع عجزها عن تحقيق الإصلاحات المطلوبة منها دولياً، والشروع بأيّ إجراءات فعليّة ل​مكافحة الفساد​.
ولعلّ آخر "الخطايا" التي ارتكبتها الحكومة تمثّلت في ابتكار ما اصطُلِح على تسميتها بـ"ضريبة الواتس أب"، بل التباهي بها وكأنّها إنجازٌ سيدرّ الأموال الطائلة على الخزينة، مع أنّ الفكرة أصلاً تشكّل مخالفة دوليّة، باعتبار أنّها تستغلّ خدمات مجانيّة للحصول على عائدات منها ليست من حقّها. بيد أنّ الأمر لم يتوقف عند "الفكرة" بحدّ ذاتها، بل وصل إلى تبريرها، خصوصاً من خلال تصريحات وزير ​الاتصالات​ ​محمد شقير​ التي اعتُبِرت "مستفزّة" لكثيرين، سواء بوضعه خدمة "الواتس أب" في إطار "الكماليّات"، أو تقليله من شأن الضريبة الجديدة، في قطاع اتصالات يُعتبَر أصلاً الأغلى في المنطقة.

الانهيار الوشيك...
قد يكون للحكومة وجهة نظرها، انطلاقاً من الوضع الدقيق الذي يشهده لبنان، بين عقوباتٍ تكبّلها، وضغوطٍ تقيّدها، الأمر الذي ترك ​مساعدات​ "سيدر" وغيرها مجمّدة مع وقف التنفيذ. وقد يكون للبعض هواجسه من أن يكون ما حصل مخطَّطاً، وأن يكون الأمر بمثابة "تصفية حسابات" من داخل الحكومة قبل خارجها.
ولكن ماذا فعلت الحكومة في المقابل؟
قبل تشكيلها، وعدت بالكثير، وتعهّدت بما هو أكثر، خصوصاً حين ارتأت أن تطلق على نفسها اسم حكومة "إلى العمل". لكنّ اللبنانيين رأوا منها كلّ شيء سوى العمل. رأوا المهاترات والمشاحنات السياسيّة، وشهدوا على خلافات حول العلاقة مع دول المحيط والجوار، وعلى التعامل مع أزمات المنطقة.
الغائب الأكبر وسط كلّ المعمعة كان العمل، شعار الحكومة الأول افتراضياً. تفاقمت الأزمات بدل أن تخفّ، وبات المسؤولون أنفسهم يحذرون من الانهيار الوشيك، انهيارٌ بات على المعنيّين مواجهته فعلياً، ولو تحت ضغط الشارع، بدل توظيفها سياسياً بما يخدم المصلحة والأجندة الحزبيّة الضيّقة...