يعيش اللبنانيّون حاليًا وضعًا مأسَويًّا يتمثّل بارتفاع عدّاد الموت والدمار بشكل يومي سريع. والمُشكلة أنّ ما كان يصحّ في السابق من مُعادلات، بشان الصُمود لبضعة أيّام أو أسابيع يعني ربح الحرب نظريًا ضُدّ إسرائيل، لجهة إفشال مُخططها بالقضاء على "حزب الله"، تحوّل اليوم إلى مُعادلة قاتلة تلاحق الشعب اللبناني، لأنّه بكل بساطة كل يوم حرب إضافي يعني المزيد من الموت والدمار!
في جولات الحروب السابقة بين إسرائيل والحزب، كان يُمكن تحمّل الخسائر البشرية والمادية، لأنّها ضريبة طبيعية للحروب، لكنّ اليوم الوضع مُختلف، لأنّ هذه الخسائر مفتوحة وغير مرتبطة بسقف زمني، والأسوأ أنها تترافق مع سياسة تدمير مُمنهج من شأنها إحداث تغيير ديمغرافي خطير وطويل الأمد. وللتذكير إنّ العملية العسكريّة التي شنتها إسرائيل سنة 1993، تحت عنوان "تصفية الحساب" والتي عُرفت في لبنان باسم "حرب الأيام السبعة"، استمرّت من 25 إلى 31 تموز 1993. ومع عمليّة "عناقيد الغضب" والتي عُرفت في لبنان باسم "حرب نيسان"، تواصلت الهجمات الإسرائيلية لمدّة 16 يومًا، وتحديدًا بين 11 و27 نيسان 1996. وبعد نحو ست سنوات من انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من لبنان سنة 2000، ردّت إسرائيل على عمليّة أمنيّة حدودية نفّذها "حزب الله" بغرض مُبادلة أسرى إسرائيلييّن بمعتقلين لبنانيّين، بشنّ معركة عنيفة أطلقت عليها اسم "حرب لبنان الثانية" وعُرفت لدينا باسم "حرب تمّوز"، وقد استمرّت من 12 تموز حتى 14 آب 2006، وتحديدًا لمدة 34 يومًا.
لكنّ هذه المعادلات السابقة تغيّرت اعتبارًا من حرب "إسناد غزّة" التي أطلقها "حزب الله" في 8 تشرين الأول 2023، حيث انحصرت على مدى أشهر طويلة في المناطق الحُدوديّة، ثم بلغت مرحلة التصعيد الشامل بعد اغتيال أمين عام "الحزب" السيد حسن نصرالله والعديد من كبار قياداته في أيلول 2024، حيث شنّت إسرائيل حربًا واسعة خلال شهري تشرين الأوّل والثاني 2024، انتهت باتفاق برعاية أميركية-دَولية بعنوان "وقف الأعمال العدائية" في 27 تشرين الثاني. وقد بقيت هذه الهدنة هشّة بسبب الخروقات الإسرائيلية شبه اليوميّة منذ ذلك التاريخ وُصولًا إلى الحرب التي أطلقها "الحزب" في 3 آذار 2026 بعد بضعة أيّام من اغتيال المُرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، والتي صُنّفت تحت خانة "إسناد إيران". والمُشكلة التي يُواجهها لبنان حاليًا تتمثّل في أن هذه الحرب لا تزال مفتوحة حتى تاريخه، وكل وُعود وقف النار، وتمديده، لم تنجح في وقف آلة القتل، بل اكتفت بحصر ساحاتها في مناطق مُحدّدة، بشكل مُوَقّت فقط لا غير! وهذا السيناريو يجعل البلد الخاسر الأكبر في حرب الاستنزاف، بعكس كل ما تروّجه وسائل إعلام إسرائيلية، لدوافع التنافس الانتخابي والسياسي القائم بين فريق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وخُصومه السياسيّين.
والأرقام لا تكذب، فخسائر قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان منذ تجدد القتال في نهاية العام 2023 محدودة نسبة إلى حجم ما يجري من معارك. وفي هذا السياق، لا يزال عدد قتلاه محصورًا ببضع عشرات، في حين بلغ عدد الجرحى في صفوفه نحو ألف جريح، بعضهم في حال الخطر أو إصاباتهم بالغة. أمّا في لبنان فقد بلغ إجمالي عدد الوفيات بحسب وزارة الصحة 3089 شهيدًا، والرقم في تصاعد مُستمر، في حين اقترب إجمالي عدد الجرحى من ملامسة العشرة آلاف شخص! وهذه الخسائر البشريّة الباهظة والتي هي غير مكتملة بسبب وجود ضحايا تحت الردم حتى تاريخه، تترافق مع خسائر مادية هي أشدّ قساوة. فالدمار الممنهج الذي هو شبه كلّي في القرى والبلدات الأمامية، والذي هو جزئي في القرى والبلدات التي تبعد قليلًا عن الحدود وُصولًا إلى مناطق بعيدة جدًا عن جبهات القتال، صار غير قابل للإصلاح من دون مُساعدات دوليّة ضخمة. فحتى لو انتهت الحرب اليوم قبل الغد، وعاد الأهالي إلى ضيعهم، فإنّهم لن يتمكّنوا من المبيت فيها، بسبب افتقار لبنان إلى القدرة المالية لإعادة إعمار ما تهدّم. وبعض المُساعدات التي قد تأتي من هنا أو هناك في المُستقبل، لن تكون كافية سوى لدفع تكاليف مساكن الإيواء البديلة لا أكثر!
ولأنّ إسرائيل تُدرك هذا الواقع، هي تستغلّ كل يوم قتال إضافي، لإحداث أكبر قدر ممكن من الدمار والخسائر المادية في لبنان، بحجّة استهداف ما تُسمّيه بنى تحتية عائدة إلى "الحزب". ومن يظنّ أنّ السيناريو الذي حصل بعد حرب تموز 2006 يمكن أن يتكرّر، هو على خطأ. فبعد انتهاء تلك الحرب، تراوحت عمليّات إعادة إعمار نحو 15000 وحدة سكنيّة تهدّمت كليًا، وعشرات آلاف أخرى تضرّرت جزئيًا، بموازاة إعادة إعمار الجسور وتأهيل الطرقات وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحّي، إلخ. ما بين 3 و4 سنوات، علمًا أنّ مُساعدات عدّة وصلت إلى بيروت بقيمة مليارات الدولارات، من أجل تغطية الكلفة. أمّا اليوم، إنّ حجم الدمار الذي لحق بلبنان حتى تاريخه يفوق بأضعاف ما حدث في العام 2006، ما يعني أنّ كلفة إعادة الإعمار مُضاعفة بدورها، والمفارقة أنّ الجهات المالية التي أغدقت المُساعدات في السابق، غير مُستعدّة لتكرار هذا الأمر في الظرف الحالي، لأكثر من سبب، ما يعني عمليًا أنّه حتى لوّ توقّفت الحرب اليوم، على اللبنانيّين أن يتعايشوا مع مشاهد الدمار لسنوات طويلة وربما لعقود، كما تعايشوا مع مشاهد ردميّات المباني المُدمّرة في الضاحية وغيرها منذ العام 2023 حتى تاريخه.
في الخلاصة، من الضروري المُوازنة بدقّة، بين المكاسب المحدودة المُحقّقة من إبطاء وتيرة التقدّم البرّي للعدّو، وإلحاق بعض الخسائر في صفوفه، والخسائر الهائلة اللاحقة بلبنان واللبنانيّين نتيجة استمرار الحرب!























































